ابن أبي الحديد

259

شرح نهج البلاغة

إلى غيرهم قصدوا إلى معاجلته ، وتعاقدوا على أن يبيتوه في فراشه ، وان يضربوه بأسياف كثيرة ، بيد كل صاحب قبيلة من قريش سيف منها ، ليضيع دمه بين الشعوب ، ويتفرق بين القبائل ، ولا يطلب بنو هاشم بدمه قبيلة واحدة بعينها من بطون قريش ، وتحالفوا على تلك الليلة ، واجتمعوا عليها ، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك من أمرهم ، دعا أوثق الناس عنده ، أمثلهم في نفسه ، وأبذلهم في ذات الاله لمهجته ، وأسرعهم أجابه إلى طاعته ، فقال له إن قريشا قد تحالفت على أن تبيتني هذه الليلة ، فامض إلى فراشي ، ونم في مضجعي ، والتف في بردى الحضرمي ليروا انى لم اخرج ، وإني خارج إن شاء الله . فمنعه أولا من التحرز وإعمال الحيلة ، وصده عن الاستظهار لنفسه بنوع من أنواع المكايد والجهات التي يحتاط بها الناس لنفوسهم ، والجاه إلى أن يعرض نفسه لظبات السيوف الشحيذة من أيدي أرباب الحنق والغيظة ، فأجاب إلى ذلك سامعا مطيعا طيبة بها نفسه ، ونام على فراشه صابرا محتسبا ، واقيا له بمهجته ، ينتظر القتل ، ولا نعلم فوق بذل النفس درجه يلتمسها صابر ، ولا يبلغها طالب ، ( والجود بالنفس أقصى غاية الجود ) ، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم أنه أهل لذلك ، لما أهله ، ولو كان عنده نقص في صبره أو في شجاعته أو في مناصحته لابن عمه ، واختير لذلك ، لكان من اختاره صلى الله عليه وآله منقوضا في رأيه ، مضرا في اختياره ، ولا يجوز أن يقول هذا أحد من أهل الاسلام ، وكلهم مجمعون على أن الرسول صلى الله عليه وآله عمل الصواب ، وأحسن في الاختيار . ثم في ذلك - إذا تأمله المتأمل - وجوه من الفضل : منها انه وإن كان عنده في موضع الثقة ، فإنه غير مأمون عليه الا يضبط السر فيفسد التدبير بافشائه تلك الليلة إلى من يلقيه إلى الأعداء . ومنها انه وإن كان ضابطا للسر وثقه عند من اختاره ، فغير مأمون عليه الجبن عند